محمد أبو زهرة

1168

زهرة التفاسير

ولكن خطأ ذلك النظر الزجاج ، وقرر أن معنى القصد ثابت بمجرد الالتجاء والدعاء . وقوله : مالِكَ الْمُلْكِ نداء آخر وضراعة على تقدير أداة النداء ، أي يا مالك الملك ، فكأن في النص دعاءين : دعاء للذات العلية بلفظ الجلالة ، وقد اشتمل على كل معاني العبودية ، والتنزيه والتقديس ، والخضوع التام ، والتسليم للّه سبحانه وتعالى بكل معاني الألوهية ؛ والدعاء الثاني لمالك الملك ، وفيه كل معاني الإحساس بالربوبية ، والضعف أمام جبروت اللّه سبحانه وتعالى وملكوته . وقلنا إن قوله تعالى : مالِكَ الْمُلْكِ أبلغ من صاحب الملك أو صاحب السلطان ؛ لأن من يملك شأن أمة لا يملك ملكها ، ولكنه يستولى على ملكها ويده فيها ليست يد ملك ولكنها يد عارية ؛ أما سلطان اللّه تعالى ذي الملكوت فسلطان مالك متصرف في السلطان ، يعطيه من يشاء عطاء عارية ، ويمنعه ممن يشاء ، ويسترد عاريته ممن يشاء ؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ . وهنا أمران لا بد من الإشارة إليهما : أولهما : التعبير عن إزالة الملك بقوله تعالى : وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ فالتعبير بالنزع مع تكرار كلمة ملك ، فيه إشارة إلى أنه يأخذه منه بعد أن استقر فيه وثبت له وظن أنه لا مزيل لسلطانه ، فيأتيه اللّه من حيث لا يحتسب ، ويأخذ ملكه أخذ عزيز مقتدر ثم إن في النزع إشارة إلى أن من يؤتى سلطانا يطغى فيه ويبغى ولا يسير بسنة الحق والعدل لا يتركه طائعا ، بل لا بد أن يمكّن اللّه منه من ينزعه من يده ، وقد يأخذه منه من كان يأتمنه « ومن مأمنه يؤتى الحذر » . وفي كثير من الأحيان يكون السبب في زواله هو من كان السبب في طغيانه . الأمر الثاني الذي تجب الإشارة إليه : أن اللّه سبحانه وتعالى بمقتضى حكمته وما سنّ من نظم في هذا الوجود ، وما تسير عليه أعماله في خلقه ، لا يعطى الملك إلا من يستحقه ، ويأخذ بالأسباب العادلة في طلبه ، ويقصد به رفعة قومه ، ولا ينزعه إلا ممن يسئ ويطغى ، ويفهم أن الملك متعة تشته وليس تبعات